ابن خلكان

159

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد ، وهو مجيد في أكثرها . قال العماد الأصبهاني في كتاب « الخريدة » في حقه « 1 » : رب القلم والبيان ، واللّسن واللسان ، والقريحة الوقادة ، والبصيرة النقادة ، والبديهة المعجزة ، والبديعة المطرزة ، والفضل الذي ما سمع في الأوائل بمن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره ، أو جرى في مضماره ، فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع ، ورسخت بها الصنائع ، يخترع الأفكار ، ويفترع الأبكار ، ويطلع الأنوار ، ويبدع الأزهار ، وهو ضابط الملك بآرائه ، رابط السلك بآلائه ، إن شاء أنشأ في يوم واحد بل في ساعة واحدة ما لو دوّن لكان لأهل الصناعة خير بضاعة ، أين قس عند فصاحته ؟ وابن قيس في مقام حصافته ؟ ومن حاتم وعمرو في سماحته وحماسته ؟ وأطال القول في تقريظه . ونذكر له رسالة لطيفة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليته خطابة الكرك وهي : « أدام الله السلطان الملك الناصر وثبّته ، وتقبّل عمله بقبول صالح وأنبته ، وأخذ عدوّه قائلا أو بيّته ، وأرغم أنفه بسيفه وكبته ، خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عبذاب ، ولما نبا به المنزل عنها ، وقلّ عليه المرفق فيها ، وسمع بهذه الفتوحات التي طبّق الأرض ذكرها ووجب على أهلها شكرها ، هاجر من هجير عيذاب وملحها ، ساريا في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها . وقد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب ، وتوسل بالمملوك في هذا الملتمس وهو قريب ، ونزع من مصر إلى الشام ومن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب ، والفقر سائق عنيف ، والمذكور عائل ضعيف ، ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف ، والسلام » . وله من جملة رسالة في صفة قلعة شاهقة ولقد أبدع فيها ، ويقال إنها قلعة كوكب « وهذه القلعة عقاب في عقاب ، ونجم في سحاب ، وهامة لها الغمامة عمامة ، وأنملة إذا خضبها الأصيل كان الهلال لها قلامة » . وملحه ونوادره كثيرة . وقوله « كان الهلال لها قلامة » أخذه من قول

--> ( 1 ) الخريدة ( قسم مصر ) 1 : 35 .